- Published on
لا أحد يلاحظ الوقود، إلى أن ينفد.
في الموقع الذي يدار جيدا، لا يفكر أحد في الوقود. تستمر المولدات في العمل، وتضاء أبراج الإنارة عند الحاجة إليها، وتظل المركبات والآليات ومعدات الدعم جاهزة للتشغيل. وتتم عمليات توريد الوقود بهدوء في الخلفية، بينما يواصل المشروع عمله من دون انقطاع.
وهذا هو المطلوب تماما: عملية غير مرئية، وخالية من الأحداث، ويتعامل الجميع مع استمرارها باعتباره أمرا مضمونا.
لا يصبح الوقود موضوعا للنقاش إلا عندما يحدث خطأ ما. يتوقف مولد، وتنطفئ الإضاءة، وتصمت المعدات، وتبدأ الفرق في الاتصال ببعضها لمعرفة موعد وصول الصهريج التالي.
وعند هذه المرحلة، لا تعود المشكلة مجرد نقص في الوقود، بل تصبح اضطرابا تشغيليا يؤثر في عدة أجزاء من الموقع في الوقت نفسه. فهذه هي طبيعة الوقود: يدعم عددا كبيرا من الأنظمة، ولذلك نادرا ما يكون أثر انقطاعه محدودا أو هادئا.
نادرا ما يكون السبب طلبا منسيا
يكاد نفاد الوقود في المواقع الكبرى ألا يحدث أبدا لأن أحدهم نسي تقديم طلب التوريد. بل يحدث لأسباب أقل وضوحا.
ربما تم تقدير الطلب بأقل من حجمه الفعلي، أو ارتفع الاستهلاك تدريجيا مع توسع الموقع، أو تغيرت ساعات التشغيل، أو تأخرت عملية توريد مجدولة. كما يمكن لقيود الوصول وحركة المرور وتغير الأنشطة داخل الموقع أن تعطل خطة إمداد بدت واضحة ومباشرة على الورق.
لم يكن طلب الوقود نفسه الجزء الأكثر خطورة، بل جميع العوامل المحيطة به.
لهذا يفضل فهم إدارة الوقود باعتبارها عملية تخطيط ومراقبة، لا مجرد عملية شراء وتوريد.
تتابع الفرق ذات الخبرة استهلاك كل معدة بصورة منفصلة، وليس فقط إجمالي كمية الوقود التي وصلت إلى الموقع. وتعرف المعدات الأكثر استهلاكا للوقود، وكيف تتغير معدلات الاستهلاك مع انتقال المشروع بين مراحله، والأهم من ذلك، المدة التي تستطيع خلالها الأنظمة الحساسة الاستمرار في العمل إذا لم تصل عملية التوريد التالية في موعدها.
ويمثل هذا الرقم الأخير، أي مدة الاحتياط، العنصر الذي يحول تأخر الصهريج من أزمة إلى حدث لا يؤثر في التشغيل.
المسافة تزيد حدة المخاطر
تزداد أهمية كل ذلك كلما ابتعد الموقع عن مصدر الإمداد. ففي المشاريع النائية، قد يقطع الوقود مسافة طويلة قبل وصوله إلى الموقع، وقد لا تتوفر عملية توريد بديلة خلال مهلة قصيرة.
وفي هذه الظروف، يمكن لتأخر صهريج واحد أن يعطل الطاقة والإضاءة والنقل وعدة أنظمة أخرى في الوقت نفسه، لأنها تعتمد جميعها على المصدر نفسه. ويضيق هامش الخطأ تحديدا في الأماكن التي تكون فيها عواقب الإخفاق أكبر.
كما يجب تنسيق عملية التوريد نفسها بعناية شديدة. ينبغي أن تظل مسارات وصول الصهاريج متاحة حتى مع امتلاء الموقع وتغير تخطيطه، وأن تتم عمليات إعادة التزود بالوقود من دون تعطيل الأنشطة الجارية من حولها.
ويجب إدارة ترتيبات التخزين والنقل بأمان، مع التعامل مع الحماية البيئية وإجراءات الاستجابة للانسكابات وسجلات الاستهلاك الدقيقة باعتبارها أجزاء من العملية نفسها، وليست إضافات اختيارية.
فالوقود ليس مجرد مورد يتم توريده، بل مادة خطرة يجب التعامل معها بالطريقة الصحيحة في كل مرة يتم فيها نقلها.
خطة تتغير مع الموقع
لا يمكن إعداد خطة الوقود مرة واحدة ثم تركها من دون مراجعة، لأن المتطلبات التي وضعت الخطة من أجلها تستمر في التغير.
تصل معدات إضافية، وترتفع أحمال المولدات، وتمتد ساعات التشغيل إلى المساء، وتغير الظروف الجوية معدلات الاستهلاك بطرق لم تشملها التقديرات الأولية.
لذلك يجب مقارنة الافتراضات التي وضعت خلال مرحلة التخطيط بصورة متكررة بما يحدث فعليا في الموقع. وإلا ستبتعد الخطة تدريجيا عن الواقع حتى تؤدي الفجوة بينهما إلى مشكلة غير متوقعة.
وتشكل خطط الطوارئ النصف الآخر من هذه المنهجية. فالسؤال المفيد ليس فقط: «هل طلبنا كمية كافية من الوقود؟» بل: «هل يستطيع الموقع الاستمرار في العمل إذا ارتفع الطلب بصورة مفاجئة أو تأخرت عملية التوريد التالية؟»
التخطيط للحالة المثالية أمر سهل. أما التخطيط للحالة الصعبة، من خلال توفير الاحتياطي والترتيبات البديلة والقدرة على اكتشاف النقص قبل حدوثه، فهو ما يميز سلسلة الإمداد القادرة على الصمود عن تلك التي تتعطل في أسوأ لحظة ممكنة.
أفضل استراتيجية للوقود هي الاستراتيجية المملة
تكون أقوى استراتيجيات إدارة الوقود، في النهاية، خالية من الأحداث بصورة لافتة.
يصل الوقود قبل الحاجة إليه، وتظل المستويات ضمن الحدود الآمنة، ويبقى الاستهلاك واضحا وقابلا للمتابعة،
وتستمر الأنظمة الحساسة في العمل، ولا يولي أحد العملية اهتماما كبيرا.
لأن أحدا لا يلاحظ الوقود، إلى أن ينفد.