Image description

يقترب المشروع من يوم الافتتاح، وتتسارع المواعيد النهائية، ويتحرك المقاولون في أنحاء الموقع، وتوشك أعمال التركيب على الاكتمال، بينما يستعد فريق العمليات لاستقبال الضيوف الأوائل. كل ما يمكن رؤيته بدأ يتخذ شكله النهائي.


لكن في أعماق ملفات المشروع، تنتظر قوة لم تحظ بالاهتمام الكافي: المخططات، والتصاريح، وسجلات التفتيش، ومحاضر الاجتماعات.


الأعمال الورقية على وشك الرد.


هل يبدو ذلك دراميا أكثر من اللازم؟ ربما قليلا. فلم يدخل أحد إلى موقع مشروع وأعلن حماسه لقراءة مستندات ذلك اليوم.


يتحمس الأشخاص لأيام الافتتاح والتركيبات الكبرى والشحنات الضخمة ومراحل الإنجاز المرئية، أي الأشياء التي يمكن تصويرها. أما الوثائق، فتظل بهدوء في الخلفية، ولا تحظى إلا بالقليل من الاهتمام وبقدر أقل من التقدير.

إلى أن يحدث خطأ ما.


عندها يريد الجميع فجأة معرفة ما تم الاتفاق عليه واعتماده وفحصه واختباره وتغييره أو إبلاغه بدقة. أي مخطط تم إصداره؟ ومن اعتمد التغيير؟ وهل تم فحص المعدات؟ وماذا طلب بيان طريقة التنفيذ؟ وهل تم إبلاغ المقاول؟ وأين يوجد السجل؟


تصل جميع الأسئلة دفعة واحدة، وتتخذ كلها الشكل نفسه:

«أرني المستندات».

العنصر الأقل جاذبية والأعلى قيمة في الموقع


قد تكون الوثائق من أقل جوانب تنفيذ المشاريع جاذبية، لكنها أيضا من أكثرها قيمة.


تشكل المخططات وتقييمات المخاطر وبيانات طرق التنفيذ وسجلات التفتيش والتصاريح ومحاضر الاجتماعات وسجلات التوريد والصيانة ذاكرة المشروع، فهي توثق كيفية التخطيط له وتنفيذه وتشغيله.


وعند إزالة هذا السجل، لا يتبقى سوى ما يتذكره الأشخاص، وهو أمر لا يكفي أبدا في موقع كبير وسريع الحركة.

ولا يقتصر الغرض من الوثائق على الجانب الإداري. فالتعامل معها على أنها مجرد استيفاء شكلي للمتطلبات هو ما يوقع المشاريع في المشكلات.


توجد الوثائق الجيدة لتمكين الأشخاص من اتخاذ قرارات مدروسة. يستطيع المقاولون التأكد من متطلبات الوصول والتركيب، ويمكن لفرق البنية التحتية التحقق من الإجراءات، وتستطيع الفرق التشغيلية فهم أين تبدأ مسؤولياتها وأين تنتهي، بينما تتمكن فرق الصحة والسلامة من مراجعة الضوابط المتفق عليها لتنفيذ العمل.


وبذلك يعمل الجميع وفقا للمعلومات نفسها، بدلا من اعتماد كل طرف على نسخته الخاصة منها.

لماذا تزداد أهميتها مع نمو المشروع؟


تزداد أهمية هذا السجل المشترك كلما ازداد حجم المشروع.


فقد يضم الموقع الكبير عشرات المقاولين ومئات العاملين، مع تغير الخطط بسرعة مع تقدم أعمال التجهيز. تنتقل المعلومات بسرعة في مثل هذه البيئة، ومعها تبدأ التفاصيل في الانحراف.


تتحرف التعليمات الشفهية أثناء انتقالها من شخص إلى آخر، وتتضاعف الافتراضات، ويظل مخطط الأمس مفتوحا على حاسوب أحدهم بعد وقت طويل من إصدار نسخة معدلة. وهكذا ينتهي الأمر بفريقين ينفذ كل منهما خطة مختلفة، من دون أن يدرك أي منهما ذلك.


الوثائق هي ما يحافظ على ترابط كل هذه العناصر، لكن بشرط أن تكون دقيقة ومحدثة وسهلة الوصول.


وتحمل هذه الشروط الثلاثة أهمية كبيرة. فالمستند المكتوب بصورة مثالية لكنه مدفون داخل المجلد الخطأ لا يقدم فائدة تذكر. وينطبق الأمر نفسه على سجل تفتيش لا يستطيع أحد العثور عليه، أو مخطط لا يحمل رقم مراجعة واضحا ويترك الأشخاص يخمنون ما إذا كانت النسخة الموجودة أمامهم هي الأحدث.


لا تعني الإدارة الفعالة للوثائق إنتاج المزيد من الأوراق، بل ضمان وصول الأشخاص المناسبين إلى المعلومات الصحيحة في اللحظة التي يحتاجون إليها فعليا.

Image description

الوقت الذي توفره بهدوء


توفر الوثائق الجيدة قدرا كبيرا من الوقت، حتى إن لم يكن هذا التوفير واضحا.


يمنع المخطط الصحيح ساعات من الارتباك داخل الموقع، ويجنب بيان طريقة التنفيذ الواضح تكرار النقاش نفسه ثلاث مرات، ويؤكد سجل التفتيش خلال ثوان أن العمل قد تم فحصه بالفعل، بدلا من إرسال شخص لفحصه مرة أخرى.


كما تمنع قرارات الاجتماعات المسجلة بصورة صحيحة عودة الخلاف نفسه كل بضعة أيام، لأن الإجابة تكون مكتوبة ومؤرخة، بدلا من إعادة مناقشتها اعتمادا على الذاكرة.


المشكلة أن جميع هذه النجاحات غير مرئية. فلا أحد يحتفل بسهولة العثور على المعلومات، ولا يروي أحد قصة المخطط الذي منع خطأ في التركيب بهدوء، أو سجل الصيانة الذي ساعد في معالجة عطل خلال الليلة السابقة للافتتاح.


لا تصبح الوثائق ملحوظة إلا عند غيابها. وعندها تعود لتصبح القوة الأكثر تأثيرا في المكان، قادرة على إيقاف العمل، وفتح باب الأسئلة، واستهلاك يوم كامل لم يكن لدى أحد وقت لإضاعته.

سجلات تثبت قيمتها


تفهم أقوى فرق المشاريع هذه الحقيقة، وينعكس ذلك على طريقة عملها.


فهي لا تنشئ المستندات لمجرد أن أحدهم طلبها أو لأن هناك مجلدا يجب ملؤه. بل تنشئ سجلات موثوقة وتحافظ عليها لأنها تساعد المشروع على العمل بأمان واتساق وكفاءة.


فالإدارة الجيدة للوثائق أداة للتنفيذ، وليست مجرد عملية لحفظ الملفات. المستندات موجودة لكي تستخدم، لا لكي تحظى بالإعجاب.


وهكذا قد تقضي الوثائق معظم مدة المشروع بهدوء في الخلفية، من دون اهتمام أو قراءة، ومن دون أن تفعل شيئا يجذب الأنظار إليها.


لكن عندما تبدأ الأسئلة، فلتكن نسخة المراجعة الصحيحة معك.